الصومال بلا مجاملة الصومال بلا مجاملة: من يحكم الدولة، ومن يتاجر باسمها؟ بقلم: Shuriye Omar Mohamud من الصراع على المناصب إلى إدارة السفارات والمال العام: أسئلة صعبة عن المسؤولية والكفاءة، لا تجيب عنها الخطب ولا الصور الرسمية. في الصومال، يكاد كل خلاف سياسي يبدأ من سؤال عن السلطة وينتهي بسؤال عن المناصب. وبين السؤالين تضيع قضايا لا تحتمل التأجيل: أمن الناس، وتكاليف معيشتهم، وتعليم أبنائهم، والخدمات التي ينتظرونها من الدولة. يخرج مسؤول ليعلن خطة، ثم يأتي آخر فيعد بتصحيح المسار، فيما يبقى المواطن منتظرًا ما يثبت أن شيئًا تغير في حياته. لا أنكر أن البلاد قطعت شوطًا في استعادة مؤسساتها وبناء علاقاتها الخارجية. ومن الظلم تجاهل جهود العاملين الذين يحاولون أداء واجبهم وسط ظروف صعبة. لكن الاعتراف بما تحقق لا يعني إعفاء من يتولى السلطة من المحاسبة. الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات والبيانات؛ يمكن أن نراه في مدرسة تعمل، أو خدمة تُنجز دون وساطة، أو شكوى يجد صاحبها جهة تستمع إليه. تطغى الخلافات بين الحكومة والمعارضة والولايات الفيدرالية أحيانًا على كل شيء آخر. ولكل طرف حججه، لكن الناس لا يعيشون على الحجج وحدها. من يحكم مطالب بأن يشرح قراراته ويتحمل نتائجها، ومن يعارض مطالب بأن يقدم بديلًا واضحًا، أما الولايات الفيدرالية فلا يجوز أن تتحول خلافاتها مع المركز إلى سبب لتعطيل مصالح المواطنين. ليست الدولة ساحة يتبادل فيها السياسيون الاتهامات إلى ما لا نهاية. وهناك ملف يستحق أن نناقشه بالجدية نفسها، رغم أنه لا يحظى دائمًا بالاهتمام الكافي: سفارات الصومال في الخارج. كم يعرف المواطن عن أداء سفارة بلاده؟ هل يعرف الرسوم الرسمية قبل أن يصل إلى النافذة؟ وهل يستطيع الاعتراض على التأخير أو سوء المعاملة؟ وإذا أراد رجل أعمال أن يستثمر في الصومال، فهل يجد معلومات وخدمة مهنية، أم يظل نجاح معاملته مرتبطًا بمن يعرفه؟ هذه الأسئلة أهم من صور الاستقبالات والولائم. فالسفارة وجدت لخدمة الدولة ومواطنيها، وليس لتزيين السيرة الذاتية لمن يديرها. وتحدد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، في مادتها الثالثة، واجبات البعثة الدبلوماسية، ومنها تمثيل الدولة وحماية مصالحها ومصالح مواطنيها، والتفاوض وتنمية العلاقات مع البلد المضيف. وانضمت الصومال إلى هذه الاتفاقية عام 1968. والسفير، بحكم منصبه، يتحدث باسم وطن لا باسم رجل سياسة أو جماعة. عليه أن يحترم اختلافات الصوماليين وأن يقدم الخدمة لمن يوافق الحكومة ولمن ينتقدها. من حقه أن يحمل رأيًا سياسيًا، لكن لا يحق له أن يجعل مصالح الدولة تابعة لولاء شخصي. المشكلة أننا لا نحتاج إلى التخمين كي نطرح أسئلة عن إدارة بعض البعثات. لدينا تقرير رسمي يمكن الرجوع إليه. في سبتمبر 2023، أصدر ديوان المراجع العام الصومالي تقريرًا خاصًا بمراجعة سفارات البلاد في كينيا وتركيا وألمانيا عن السنة المالية 2022. وذكر ملخص نتائج التدقيق أن إيرادات تقارب ثلاثة ملايين دولار جُمعت في السفارات المشمولة بالمراجعة ولم تُودع في الحساب الموحد للخزانة، وأن جزءًا من التحصيل جرى نقدًا في ظل ضعف إجراءات الشفافية. وتحدث التقرير أيضًا عن قصور في التخطيط المالي وحالات تعيين لم تستوفِ شروط الخدمة الخارجية. هذه نتائج رقابية تخص سنة محددة، وليست حكمًا قضائيًا بإدانة سفراء أو موظفين. كما أن قراءة ما حدث تتطلب النظر في ردود الجهات المعنية والظروف التي عملت فيها السفارات. لكن هذا التمييز لا يضعف السؤال، بل يجعله أكثر دقة: ماذا حدث بعد صدور التقرير؟ هل صُححت الإجراءات؟ وهل عرفت الجهات الرقابية كيف عولجت الملاحظات، أم بقيت في ملفات لا يعود إليها أحد؟ المال الذي يُحصّل باسم الدولة يجب أن تكون له سجلات واضحة، أينما جُمع. وإذا واجهت سفارة ظروفًا مصرفية أو إدارية استثنائية، فمن واجب الجهات المختصة أن توثقها وتوضح كيف جرى التعامل معها. الناس لا يطلبون المستحيل؛ يريدون فقط أن يعرفوا أن هناك قواعد تُطبق وأن أحدًا يراجع الالتزام بها. وتبرز هنا مسألة يتردد الحديث عنها كثيرًا، وهي الخلط بين الدبلوماسية والتجارة الخاصة. من الطبيعي أن يساعد السفير على فتح الأسواق وجذب الاستثمار والتعريف بفرص العمل مع الصومال. هذا جزء من مهمته. أما إذا استُخدم المنصب لتحصيل عمولة شخصية أو منح امتياز خاص لأحد المقربين، فنحن أمام قضية مختلفة تستوجب التحقيق إذا توفرت أدلة عليها. المادة الثانية والأربعون من اتفاقية فيينا تمنع الدبلوماسي من ممارسة نشاط مهني أو تجاري بقصد الربح الشخصي في الدولة المضيفة. ومع ذلك، لا يصح أن نطلق وصف «سمسار» على أي مسؤول لمجرد خلافنا معه. الاتهام يحتاج إلى وثائق ومعاملات وشهادات يمكن فحصها، ويحتاج صاحبه إلى فرصة للرد. المطلوب محاسبة عادلة، لا محاكمة عبر الشائعات. الأجدى أن تسأل وزارة الخارجية نفسها: هل يلتزم جميع العاملين بالإفصاح عن تضارب المصالح؟ هل يعرف المستثمر متى يتعامل مع خدمة رسمية ومتى يُعرض عليه ترتيب تجاري خاص؟ وهل يستطيع المواطن أن يشتكي دون أن يخشى تعطيل معاملته؟ الإجابة العملية عن هذه الأسئلة ستفيد صورة الصومال أكثر من أي حملة علاقات عامة. ثم تأتي مسألة الاختيار. أي رسالة نبعث بها إلى الشباب عندما يتقدم القرب من أصحاب النفوذ على الخبرة والمؤهل؟ العمل الدبلوماسي يحتاج إلى معرفة بالقانون وبالبلد المضيف، وإلى قدرة على التفاوض وإدارة الأزمات ورعاية المواطنين. وإذا كان التدقيق الرسمي قد رصد تعيينات لم تستوفِ الشروط، فلا بد من مراجعة طريقة التعيين، وإعلان المعايير، وتقييم من يتولى المنصب على أساس عمله. الأمر لا يتعلق بالسفارات وحدها. ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل الصومال على تسع نقاط من مئة. هذا المؤشر يقيس تصورات الفساد في القطاع العام، ولا يثبت ارتكاب شخص بعينه لجريمة، لكنه يوضح مقدار العمل المطلوب لاستعادة ثقة الناس. لا يمكن إصلاح هذا الواقع بالخطابات وحدها؛ نحتاج إلى حسابات يمكن مراجعتها، ومشتريات تخضع للمنافسة والرقابة، ومسؤول يعرف أنه سيُسأل عندما يخطئ. أكتب هذه الكلمات لأن الصومال يستحق نقدًا لا يخضع للولاءات. لا مصلحة للبلد في أن نبرئ كل من يرفع شعار الوطنية، ولا في أن نتهم كل من يتولى منصبًا عامًا. هناك سفراء وموظفون يؤدون أعمالهم بإخلاص، وتقديرهم يبدأ بوضع قواعد واحدة للجميع، حتى لا تختلط الجدية بالمحاباة. أريد أن أعرف، كما يريد غيري، ماذا أنجزت سفاراتنا خلال العام؟ كم مواطنًا خدمت؟ كيف تعاملت مع الشكاوى؟ ما الفرص الاقتصادية التي ساهمت في فتحها؟ وكيف صُرفت الإيرادات العامة؟ هذه ليست أسئلة ضد الدولة. إنها أسئلة من يريد لها أن تقوم على مؤسسات محترمة لا على أسماء تتغير كل بضع سنوات. في النهاية، لا تحتاج الصومال إلى سفراء أكثر ظهورًا في الصور، بل إلى تمثيل يحفظ كرامة مواطنيها ويصون مصالحها. ولا تحتاج إلى سياسيين يتحدثون عن المحاسبة حين يكونون خارج السلطة ثم يضيقون بها عندما يصلون إليها. سيظل الصومال أكبر من الحكومة والمعارضة والسفراء جميعًا. ومن يحظى بشرف تمثيله عليه أن يتذكر أن اسم الوطن أمانة، لا بطاقة عبور إلى نفوذ أو مكسب شخصي. المراجع ديوان المراجع العام الصومالي، تقرير المراجعة الخاصة بسفارات الصومال في كينيا وتركيا وألمانيا عن السنة المالية 2022، المنشور في سبتمبر 2023: https://oag.gov.so/wp-content/uploads/2023/09/SPECIAL%20AUDIT%20REPORT%20ON%20EMBASSIES%20FRS%20V%201-1.pdf ملخص نتائج التدقيق الصادر عن ديوان المراجع العام: https://oag.gov.so/wp-content/uploads/2022/01/Summary%202023.pdf الأمم المتحدة، اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، المادتان 3 و42: https://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/conventions/9_1_1961.pdf منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد لعام 2025: https://www.transparency.org/en/cpi/2025 — — — SHAQO MEDIA | النسخة النصية العربية لإرسال رأيك والاطلاع على التعليقات: https://shaqo.shuriyenoracademy.com/_api/magazine/ar?articleId=daedfd67-c40f-4528-90b5-160e69b01b5a